خيال عالمي -ماذا لو كنت نقدي من خشب

26 مارس,2017 7:38 م نصائح عامة 343 لا توجد تعليقات

ماذا لو كانت نقودي من خشب؟ سؤال تخيلي ربما – وربما لا – قد يكون ورد بذهن أي واحد منا، ولكن قبل البدء في الإجابة على هذا التساؤل (الفانتازي) العسير يجب أن نفهم ونعي أولاً ما المقصود بالنقود؛ فما هي النقود؟ وكيف نشأت وتاريخ نشوءها؟ ولم الحاجة الملحة لاستخدام النقود؟ ثم بعد ذلك نطلق العنان للتخيل فيما كان يمكن أن يحدث لو استبدلنا النقود بمادة الخشب.
إن أولى الوسائل التي اعتمد عليها الإنسان لتلبية حاجاته من المواد والسلع والأدوات التي يحتاجها ولم تكن في حوزته هو نظام التبادل والمقايضة، وهي وسيلة نفعية تقوم على تكامل البشر فيما بينهم، فكل إنسان يحتاج إلى الآخر وينفع الآخر ويكفي احتياجاته من المواد والسلع التي يحتاجها وليست في حوزته، ولم يقتصر الأمر على تبادل السلع بل امتد ليشمل تبادل الخدمات، أو استخدام السلع كوسيلة للحساب والأجر على الأعمال والخدمات المختلفة.
مع مرور الوقت بدأت تتكشف عيوب نظام التبادل والمقايضة؛ فليس كل ما يمتلكه الشخص للتبادل أو المقايضة قد يكون مرغوبًا فيه من الشخص الآخر الذي يرغب في الاستفادة إما من خدماته أو مما لديه من سلع ومواد؛ فالعامل الرئيسي الذي أدى إلى اختفاء نظام المقايضة شيئًا فشيئًا هو عدم توافق الرغبات بما يضمن حدوث التكامل بين الأشخاص، وتلبية كل منهم حاجة الآخر بما يحتاجه.
بدأ الناس يلجأون إلى التوافق والاتفاق فيما بينهم على سلعة محددة ذات قيمة كبيرة – اختلفت باختلاف المجتمع – كوسيلة موحدة للتبادل السلعي والخدمي؛ فأصبحت قيمة السلع ذاتها وقيمة الخدمات تحدد بناءً على هذه السلعة الرئيسية؛ وقد اختلفت هذه السلعة المعيارية القياسية مع اختلاف المجتمعات القديمة، وكانت تحدد بمدى حاجة هذه المجتمعات وتقديرها لهذه السلعة الوسيطة، فكثير من الشعوب اعتمدت على المواد الغذائية من الحبوب والغلال مثل القمح والشعير والأرز، بل حتى الملح كان وسيلة تقاس بها قيمة السلع الأخرى والخدمات.
عند هذه النقطة يمكن القول أنه كان من الممكن أن يدخل الخشب أو الأدوات المصنوعة من الخشب كوسيلة للمقايضة السلعية والخدمية؛ فهذا أمر وارد جدًا في ظل نظام المقايضة؛ لكننا لم نسمع عن استخدام الخشب كمادة أو سلعة قياسية تستبدل بغيرها من السلع أو الخدمات وسنعرف تفسير ذلك في الأسطر القادمة.
إلى هنا تطورت عملية المقايضة خطوة أخرى في سبيلها إلى الاستغناء تمامًا عن السلع الوسيطة؛ إذ عاب هذه السلع إما عدم القدرة الكاملة على تخزينها فترات طويلة أو عدم القدرة على تقسيمها أو تجزئتها، أو حتى أنها لم تصبح بالأهمية أو بمحط للأنظار بالصورة التي جعلت منها في الأساس وسيط للمقايضة، كما ساعد على التخلص من استخدام السلع الوسيطة بداية استخراج واكتشاف المعادن التي بهرت الإنسان بقدراتها على البقاء والتخزين وإمكانية تقسيمها وتجزئتها، فضلاً عن خصائصها العظيمة، وكان الناس كلما اكتشفوا نوعًا جديدًا من أنواع المعادن استبدلوها بالمعدن القديم، فيصبح هو المعدن الرئيسي الوسيط في عمليات التبادل، وساعدت المعادن على تعزيز نظام البيع والشراء، وبدأ الإنسان لأول مرة في صناعة وسك النقود المعدنية.
هذا ويطول موضوع سك العملة وتختلف وتتباين الآراء حول أولى الحضارات التي عرفت النقود المعدنية، وكل من هذه الآراء له دلائله واثباتاته حول أولى الحضارات التي عرفت وبدأت سك النقود من المعادن النفيسة المختلفة، لهذا لن نقف كثيرًا عند هذه النقطة، ولكن يكفي أن نذكر أن اللجوء إلى استخدام النقود المعدنية – على اختلاف نوعية المعدن المسكوكة – كان له عظيم الأثر في تسهيل عمليات التبادل التجاري من بيع وشراء سواء للسلع أو الخدمات، ذلك أن النقود المعدنية وفرت بديلاً عمليًا للسلع والمواد التي استخدمت قديمًا في عمليات المقايضة كسلع قياسية، ووفرت حلولاً رائعة للمشاكل التي واجهت هذه السلع؛ فإذا لم تكن هذه السلع قابلة للتقسيم أو التجزئة فإن النقود المعدنية على العكس كانت مهيأة تمامًا لهذا الغرض، بل حتى كانت تسك فئات بقيم متباينة من هذه العملات المعدنية في كثير من الأحيان، وإن كانت نسبة كبيرة من السلع غير قابلة للحمل أو للنقل بسهولة وغير قابلة للتخزين فترات طويلة؛ فإن النقود المعدنية وفرت حلاً أكثر من رائع لهذه المشكلة إذ كانت خفيفة الوزن – حتى مع المعادن الثقيلة – يمكن حملها وتخزينها بطريقة أسهل بكثير من السلع الغذائية أو المواد الخام، وأخيرًا فإذا كانت هذه السلع قد افتقدت لعنصر الندرة وشدة الطلب، فلقد توفر للنقود المعدنية هذين العنصرين؛ فكما قلنا كان الإنسان دومًا يستبدل المعادن الجديدة النادرة غير الشائعة المكتشفة حديثًا بنظيراتها القديمة، مما وفر عامل الندرة للنقود المعدنية، كما أن خصائص المعادن واستخداماتها الجبارة حظيت دومًا على إعجاب وانبهار الإنسان مما زاد من شدة الطلب عليها والحاجة إليها.
ومع تطور الحضارة بدأت دول العالم تسك نقودها – المعدنية – الخاصة، وقد استقرت النقود المعدنية على ثلاثة أنواع من المعادن دون سواها وهي الذهب في المقام الأول والفضة ثانيًا ثم البرونز، لما رأته البشرية من ندرة وأصالة هذه المعادن دون سواها، بما زاد شدة الطلب عليها وكثرة الحاجة إليها، وبدأت النقود المعدنية تتجاوز وظيفتها الاقتصادية البحتة إلى ماهو أبعد من الاقتصاد والتبادل التجاري؛ إذ أصبحت العملات – ومنذ القدم – رمزًا للسيطرة والنفوذ السياسي؛ وعلى سبيل المثال نجد كثيرًا من الدول القوية الفاتحة تقوم باستبدال فئاتها النقدية بالفئات النقدية لتلك الدول المقهورة، أو حتى الحفاظ على نقود هذه الدول مع أن تستبدل بالنصوص الكتابية والشعارات الموجودة على وجه وظهر العملة ما يعبرعن الهيمنة والخضوع لهذه القوة السياسية الاقتصادية الغازية، كما نجد كثير من الدول تستخدم نقودها كوسيلة لنشر توجهاتها السياسية، وفي العالم القديم كثير من البلاد المتحالفة غيرت نقودها وعملاتها إلى عملات موحدة، لتنتقل من مرحلة التحالف على الصعيد السياسي فقط إلى ما هو أكثر قوة وهو التحالف على الصعيد الاقتصادي والتجاري، وهو أشد أنواع التحالفات.
إن ما نجده في عصرنا الحديث لا يختلف كثيرًا عن هذه الأمثلة، ولدينا مثال واضح وقوي على هذا يتمثل في دول الاتحاد الأوروبي؛ فهي الدول التي تمكنت من التحالف فيما بينها متجاوزة الاختلافات الأيديولوجية والثقافية الكبيرة فيما بينها، وأكبر الانتصارات التي حققتها هذه الدول هو الانتصار على الصعيد الاقتصادي المتمثل في استخدام عملة موحدة فيما بينها أصبحت عملة عالمية تقارع الدولار بل وتتفوق عليه في كثير من الأحيان، وهي بالطبع عملة اليورو.
على أن اختلافًا كبيرًا تعرفه النقود المستخدمة هذه الأيام؛ فهي في الغالب الأعم ليست نقودًا حقيقية ولكنها نقودًا تقديرية، بمعنى أنها تستخدم فقط لتسهيل التحاسب وعمليات البيع والشراء، ووسيلة لزيادة الأمان وضمان عدم المخاطرة بالمعدن النفيس الذي تعبر عنه؛ فما هي في الأصل إلا سندات أو صكوك ملكية تعبر عما يملكه الأشخاص والمؤسسات والدول من احتياطات نقدية من معدن الذهب النفيس في البنوك المركزية للدول، وبمرور الوقت وبحكم التعود تحولت هذه الصكوك والسندات من مجرد مؤشر لما يمتلكه الفرد والمؤسسة من مخزون من المعدن النفيس ذو القيمة الشرائية لدى الخزانة المسماة بالبنك المركزي، إلى وسيلة ذاتية القيمة الشرائية في حد ذاتها، ولكنها اكتسبت قيمتها في الأصل من معدن الذهب النفيس الذي تعبر عنه؛ رغم أنها ذاتها مصنوعة من مجرد توليفة من الأوراق والأحبار ليست ذات ندرة ويمكن لأي دولة طباعتها كيفما يحلو لها.
إلى هنا نعود ونكرر تساؤلنا الأول وهو ماذا لو كانت نقودي من خشب؟.. مبدئيًا يجب أن نعلم أنه ليس من الممكن أن تكون النقود مصنوعة من الخشب؛ فرغم أنه يتوافر في الخشب مجموعة من العوامل التي يجب أن تتوافر في النقود إلا أنه يفتقد إلى أهم العوامل وهو عامل الندرة، فكيف ذلك الذي نقوله؟!
بداية يجب أن تكون النقود سهلة القياس، كما يجب أن تكون سهلة التقسيم والتجزئة إلى فئات متباينة، كما يجب أن تكون سلسة في حملها ونقلها وتداولها بين الأفراد، وأن تكون غير قابلة للتلف بسهولة، وأخيرًا يجب أن تكون هي في حد ذاتها ذات قيمة.
بمحاولة تطبيق ما سبق على الخشب يمكن القول أن الخشب يمكن تقسيمه وتجزئته بسهولة ويسر، بحيث يصبح سهل في حمله ونقله وتداوله بين الأفراد، كما أن الخشب يعتبر من أكثر المواد الخام الأولية غير القابلة للتلف أو الاندثار بسهولة ولاسيما في أنواع معينة منه، فكل هذه العوامل تتحقق – ويا للعجب – في مادة الخشب، كما أن للخشب قيمة ذاتية كبيرة، ولا يمكننا أن نعد أو نحصي استخدامات الخشب التي تعكس قيمته للإنسان، ولكن الخشب يفتقد إلى أهم الصفات التي يجب أن يتصف بها النقد وهي محدودية وندرة وجوده وشدة الطلب عليه.
لبيان هذا لنعقد مقارنة سريعة بين الخشب والذهب ذلك المعدن النفيس الذي تعبر عنه السندات الورقية المسماة النقود، فرغم أنه على الصعيد العملي النفعي نجد أن الخشب أكثر استخدامًا وفائدة للإنسان من الذهب، ولا يمكن بحال تصور العالم بدون الخشب في حين يمكن تخيله بدون الذهب؛ بل أنه في مرحلة من مراحل التاريخ لم يكن الذهب معروفًا أو مكتشفًا في حين أن الخشب معروف للإنسان ويستخدمه منذ وجوده على الأرض، ورغم هذه المقارنة التي تصب في صالح مادة الخشب بكل تأكيد؛ إلا أن كثرة تواجده في الطبيعة وشيوع استخدامه بصورة واسعة جدًا وتجدده الدائم إنما يقلل من فرص استخدامه كنقود، في حين أن ندرة الذهب والتي تؤدي بطبيعة الحال إلى عدم التوسع في الاعتماد عليه بمثل تلك الصورة التي عليها الخشب هي عين ما يرجح كفة الذهب كنقد ووسيلة للتبادل التجاري والبيع والشراء، بالإضافة بالطبع إلى خواص الذهب الفيزيائية الفريدة التي تعكس أصالته وتميزه عن غيره من مواد وخامات الطبيعة.
إذن فالتساؤل حول ماذل لو كانت نقودي من خشب هو تساؤل مرفوض من الأساس بفعل الواقع؛ ولكن للخيال حسابات أخرى!.. ولنفترض جدلًا أن الخشب هو النقود التي يستخدمها الناس.
إن أول ما كان ليحدث أن تحتل البنوك العالمية الغابات ذات الأشجار الكثيفة ولاتخذتها مقرات دائمة لها، تضرب حولها السياجات الأمنية المكثفة، ولما وجدنا شجرة أو نخلة في الشارع، ولفرضت قيود على الزراعة وجرمت بفعل القانون ولأصبحت الأرض عبارة عن صحراء جرداء لا تنبت فيها شجرة ولا نبتة، ولأصبحت حرفتي الزراعة والنجارة من الحرف السيادية ولاقتصرت على فئة بعينها من الناس يتم توظيفهم وتعيينهم من حكومات الدول في هذه الوظائف الحساسة! ولجرمت ممارستها أو تعلمها كما يجرم تزييف وتزوير العملة، ولما وجدنا قطعة أثاث خشبية واحدة، ولتغير النمط الغذائي للإنسان..و..و.. كثير من السيناريوهات كانت لتحدث.. فقط لو كانت نقودي من خشب!



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *





error: Content is protected !!